روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
271
عرائس البيان في حقائق القرآن
قال ابن عطاء في قوله : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ : خاطب العوام بالانتصار بعد المظلمة ، وأباح لهم ذلك ، واختار للنبي صلى اللّه عليه وسلم الأخصّ ، وندب إليه بقوله : وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ، ثم لم يتركه ومخاطبة الندب حتى أمره بالأفضل وحثّه عليه بقوله : وَاصْبِرْ . وقال جعفر : صبر على إيذائه ، وعفا عن مؤذيه ؛ ذلك من أحكم الأمور في الدين وأحمدها عند اللّه وأجلّها عند الناس . قال أبو سعيد القرشي : الصبر على المكاره من علامات الانتباه ، فمن صبر على مكروه يصيبه ولم يجزع أورثه اللّه حالة الرضا ، وهو أجلّ الأحوال ، ومن جزع من المصائب وشكا وكّله اللّه إلى نفسه لم تنفعه شكواه . قال الأستاذ : صبر على البلوى من غير شكوى ، وعفا بالتجاوز عن الخصم ، فلا يبقى لنفسه عليه دعوى ، بل يبرئ خصمه من جهته عليه من كل دعوى في الدنيا والعقبى ، إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 47 إلى 50 ] اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ( 47 ) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ ( 48 ) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 50 ) قوله تعالى : اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ : الأمر للعموم في إجابة دعوته ، ولا يسمع نداءه إلا من اصطفاه في الأزل لمحل خطابه وسماع دعائه ، وكيف يجيب من لم يسمع بأسماع التنبيه والمعرفة والمحبة والفهم هواتف أطيار الإلهام والخطاب والكلام ، من خاطبه الحق بلا واسطة ؛ فيسمع أيضا الخطاب بالوسائط ، من كان خاليا عن استعداد قبول الخطاب لا يجيب ، ولو ناداه الحق بكل لسان ؛ قال اللّه : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ . قال الجنيد : استجابة الحق لمن يسمع هواتفه وأوامره وخطابه ، فتتحقق له الإجابة بذلك السماع ، ومن لمن يسمع الهواتف كيف يجيب ، وأنّى له محل الجواب ؟ ! وقال الأستاذ : الاستجابة الوفاء بعهده والقيام بحقه والرجوع من مخالفته إلى موافقته .